عبد الملك الجويني

37

نهاية المطلب في دراية المذهب

وإذا قلنا : مطلق الذمة يقتضي الذب ، فلو شرطنا ألا نذب عنهم في محل الوجهين ، ونكتفي بالانكفاف عنهم ، فالظاهر أن الشرط يثبت ، ولا يلزم الذب ، وإن كان يلزم في الذمة المطلقة . ومن أصحابنا من أفسد هذا الشرط . ثم في فساد الذمة بالشرائط الفاسدة ، كلام سيأتي الشرح عليها في باب المهادنة ، إن شاء الله تعالى . 11462 - وقد حان أن نخوض بعد ذلك في نواقض العهود . وتمهيد الكلام يقتضي رسمَ ثلاث درجات ، هكذا رتبه الأئمة : المرتبة الأولى : ما يوجب نقض العهد من غير أن يفرض فيه شرط ، ثم ذكر الأكثرون في هذا القسم ثلاثة أشياء : أحدها - منع الجزية . والثاني - الامتناع من إجراء الأحكام . والثالث - نصب القتال . وقضَوْا بأن هذه الخلال الثلاث عماد الذمة ، وتركُها نقضُ عقد الذمة . وفي هذا أدنى تدبّر : أما القتال على ما نعهده من أهل الحرب ، فهو مناقضة للذمة ؛ فإن الغرض الأظهر منها الأمان المؤبد ، فإذا قاتلونا ، فقد تركوا موجَب العهد . فأما منع بذل الجزية والامتناع عن جريان الأحكام ، فقد أطلقها الأصحاب ، ولم يأتوا فيها بالبيان الشافي ، ومطلق ما ذكروه يدل على أن واحداً من أهل الذمة إذا سوّف ، ومطل ، وامتنع عن تأدية الجزية لما طولب بها مع القدرة على أدائها ، فيكون ذلك نقضاً منه ، وشرطوا في هذا التمكن من الأداء ، فلو اعتراه عجز وأحوجه إلى استمهال في مدة قريبة ، فما أرى الأصحاب يقضون بانتقاض العهد والحالة هذه . فأما المطل المحقق ، والمدافعة من غير عذر ، ففيها قالوا بانتقاض العهد ، وليس يبعد أن يقال : امتناع الذمي عن أداء الجزية ، ويد القهر ممتدة إليه لا يوجب نقضَ عهده ، ولكنا نستأدي منه الجزية قهراً ، ويكون امتناعه عن أدائها بمثابة امتناعه عن ديونٍ توجهت عليه للمسلمين ، وهذا متجه . وما ذكره الأصحاب حسن بالغ ، لأن الجزية عوض ترك القتال ، وهو [ في حكم ] ( 1 ) ما يتجدد حالاً على حال ، فيجوز أن يقال : امتناع المقتدر عليها حطّ منه

--> ( 1 ) زيادة من ( ه‍ 4 ) .